قراءة في تأثير الأزمة اليمنية على العلاقات الروسية السعودية

مع اقتراب الذكرى السنوية لشن السعودية حرباً على اليمن والتي لم تحقق أي من أهدافها المنشودة حتى اليوم، سافر وزير خارجية حكومة هادي عبد ربه منصور المنتهية ولايته، رياض ياسين، إلى روسيا لحث الروس على ممارسة الضغط على إيران من اجل حثها لوقف الدعم للحوثيين، ومن اجل الحصول على مساعدات اقتصادية، الا ان هذه الرحلة لم تنعكس بشكل كبير في وسائل الإعلام الروسية وذلك لعدم تحقيقها اي إنجاز يذكر لصالح حكومة هادي.

وفي المؤتمر الصحافي المشترك بين وزير الخارجي الروسي لافروف ونظيره في حكومة هادي، قال الأخير ان هناك استحالة في التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين، الا ان لافروف لم يظهر أي توافق مع الوزير اليمني، حيث أصر على ان روسيا تجري مباحثات مع الحوثيين وقال ان روسيا تأكد على أهمية بذل جهود دولية كبيرة من اجل انجاح المباحثات بين أطراف النزاع في اليمن.

ومنذ بداية الازمة في اليمن، لم يقدم الروس على أي خطوة فعالة من اجل حل الصراع في اليمن، حيث كان الروس يخشون ان تتأثر العلاقات الروسية –السعودية “الطيبة” وخاصة على مدى السنوات القليلة الماضية حيث تمكنت الدولتان من الاتفاق على عمل منسق بشأن سوق النفط على الرغم من الخلافات الشديدة حول قضايا إقليمية أخرى بما فيها الأزمة السورية، وعلى تعزيز العلاقات الثنائية، بالإضافة الى سفر الملك السعودي إلى روسيا للمرة الأولى في تاريخ البلدين. ولذلك، فإن الروس كانوا مترددين في البداية في بذل اي جهود لإنهاء الصراع في اليمن خشية ان تتعرض العلاقات “الطيبة” مع السعودية للضرر، ويمكن ربط تعليق عمل السفارة الروسية عن العمل في صنعاء بهذا الامر وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا آنذاك: “نظرا للظروف الحالية في صنعاء، جرى اتخاذ قرار بتعليق العمل في سفارتنا في اليمن”. وأضافت، “كافة موظفي السفارة سيغادرون البلد… السفير الروسي وقسم من الطاقم الدبلوماسي سيمارسون عملهم من العاصمة السعودية الرياض”.

 كما أن السياسة الروسية لا تفضل بشكل عام التعامل مع القوات غير الحكومية ويفضلون الاتصال مع الحكومات الرسمية لدول العالم وهذا ما شهدته العلاقات التاريخية بين البلدين في السابق حيث أعلنت الجمهورية اليمنية في 30 ديسمبر 1991 رسميا اعترافها بروسيا الإتحادية بصفتها الوريثة الشرعية للإتحاد السوفيتي السابق وبضمن ذلك الإعتراف بجميع المعاهدات والإتفاقيات الدولية السارية المفعول… ومن هذا المنطلق، منذ بداية الأزمة اليمنية، اعترف الروس بـ “منصور هادي” كرئيس شرعي لليمن. ومن وجهة نظر روسيا ايضاً، تختلف طبيعة الأزمات في كل من سوريا واليمن، حيث تشكل سوريا الكثير من المصالح السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية لروسيا، اما في القضية اليمنية من الممكن ان تجعل روسيا في مواجهة الدول العربية.

 أما الجانب الآخر من الأزمة اليمنية، هو الجانب الانساني، الذي دفع بالروس الى التدخل، مع الحفاظ على حيادهم، حيث أصدر بيانات تدعو إلى وقف الحرب وتقديم المساعدات للشعب اليمني، الأمر الذي أدى أيضا إلى تعزيز وضع روسيا بين الأطراف المتنازعة. وعلى الرغم من عدم إدراك الروس للقضية اليمنية جيدا، الا انهم لم يولوا في الفترة السابقة اهتماما كبيرا للحوثيين، الا انهم حافظوا على قنوات الاتصال معهم.

 وتلعب السياسة الخارجية الروسية دور الوسيط في الشرق الأوسط من اجل حل النزاعات والأزمات الإقليمية ضمن إطار قانون الأمم المتحدة ودون أي انحياز لأي جهة معينة أو معارضة لأطراف أخرى معنية في الازمة. والأزمة في اليمن ليست استثناء، والواقع أن روسيا هي العضو الوحيد في مجلس الأمن في العالم، الذي يحافظ على علاقته مع جميع أطراف النزاع، ويمكن أن يكون محايدا ووسيطا في الأزمة اليمنية.

 ختاماً، إن الروس يدركون جيدا طبيعة الأزمة اليمنية وجذورها التاريخية، وهم يعتبرون ان الادعاءات من جانب امريكا والسعودية بشأن تورط إيران في الأزمة اليمنية مبالغ فيها وخاصة في مسالة تهريب الصواريخ من إيران الى اليمن حيث اعتبرت روسيا أن الأدلة التي استعملت لاتهام إيران كمصدر للصواريخ التي أطلقها الحوثيون من اليمن غير دامغة، وقالت على لسان سفيرها لدى الأمم المتحدة إن المصدر قد يكون بلدا آخر، أو أنه تم تسليمها قبل فرض حظر الأسلحة على اليمن في 2015. ولا تعتبر روسيا ايضاً الحوثيين عملاء إيران في اليمن، وهم يعرفون جيدا أن دعم إيران للحوثيين محدود جدا بسبب الحصار المطبق للسعودية على اليمن، كما ان الدعم ان وجد فهو يقتصر أساسا على الدعم الإنساني وفي حالات خاصة جداً. كما انها تعتبر الازمة في اليمن جزءا من الصراع بين السعودية وإيران في المنطقة. ووفقا لذلك، لا تريد روسيا الدخول في هذه المنافسة الإقليمية، وعلى هذا الاساس، تعتبر روسيا ان اللعب كلاعب وسطي في الأزمة اليمنية بمثابة خطة روسية لحل الخلافات بين إيران والسعودية.