مساحة حرة

الزبيدي نظيراً للصماط…. فماذا بعد؟

بقلم:فؤاد الجنيد

مجلس سياسي في صنعاء، ومثله آخر في عدن، وبينهما شرعية تدعي وصايتها على المجلسين اللذين جاءا من إرادة شعبية عريضة لم تعد تؤمن بهذه الشرعية المزعومة التي بالتأكيد تصفهما بالانقلابيين عليها. وبصرف الن�ر عن جدوى هذا المجلس الجديد في ظل لا دولة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، إلا أننا نستطيع أن نربط ذلك بمجلس صنعاء السياسي وجدوى تشكيله قبل عام، فكلاهما ليسا أكثر من مناورات سياسية لخلط أوراق لعبة قذرة ستلقي بتبعاتها على كل اليمنيين دون استثناء، وهذا هو هدف العدوان منذ أمد بعيد، فهو يدرك جيداً طبيعة اليمنيين وموقفهم الثابت من وحدة الأرض والانسان.

لا أحد يستطيع الطعن في نخوة اليمنيين أو التشكيك في حميتهم وتكاتفهم وتلاحمهم منذ القدم حتى اللحظة، فهم ينحدرون من قمة القبيلة اليمنية التي تحكمها عادات وتقاليد وأعراف راسخة لا يمكن تجاوزها أو التنازل عنها. بل ويتربون عليها ويترجمونها في الواقع بقناعة مطلقة دون تكلف أو رياء، حتى أن هناك مثلاً يمنياً شهيراً يقول: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وأخي وابن عمي على الجيران، وهذا يعني أن التفريق بين اليمنيين أو استهدافهم في لحمتهم الإجتماعية أمر مستحيل، وهذا ما أدركه المتربصون باليمن واليمنيين منذ عهد طويل، فكان لا بد من ابتكار وسائل وطرق أخرى من شأنها استهداف رموز القبيلة اليمنية وشراء ولائهم وطاعتهم، وهذا بدوره سيضمن مسار القبيلة اليمنية في الاتجاه المرسوم والمراد، لأن أفرادها لا يخرجون عن أمر قائد القبيلة أو شيخها مهما كان الأمر.

سعت المملكة العربية السعودية إلى استقطاب رموز الدولة اليمنية سراً، ومنحهم رواتب شهرية مغرية لضمان ولائهم، وايهامهم بأنها تدعم هذا ضد ذاك، واستطاعت بذلك إشعال الفتنة بين رموز القبائل اليمنية، خصوصاً أولئك الذين يمثلون أطيافاً سياسية متنافسة منذ التسعينات، وتحديداً بعد إرساء قواعد الوحدة اليمنية على الأرضية الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية، وكان هذا كفيلاً بخلق شرخ واسع بين الفرقاء ومن ثم أنصارهم وقواعدهم. وما شهدته اليمن في صيف 94 من حرب أهلية دليل كاف على نوايا «الشقيقة» في فصل الشمال عن الجنوب، لكن ذلك باء بالفشل لأن المواطن اليمني نفسه لم يهضم المشروع آنذاك، ولم يجد مبرراً للانفصال، كون الخلافات السياسية كانت مختزلة بين أشخاص بعينهم ولم تتمدد لتشمل آخرين. وساعد الإعلام المحدود الذي تمتلكه السلطة وحدها على عدم تسريب الخلافات وكشف أسبابها، بل اكتفى بالتعبئة ضد الخصم مستغلاً تماسك الجبهة الشمالية التي تتسيدها القبيلة، كما أن أجزاء واسعة من الجنوب كانت تخضع سياسياً وعسكرياً لقادة من الشمال أحكموا قبضتهم على الجنوب تحت سقف ما سمي يومها بالدمج العسكري الذي تم فيه تدوير قادة من الشمال والجنوب ليحلوا أماكن بعضهم.
لكن تلك الأحداث – والحديث عن صيف 94 – لم تمر مرور الكرام، وإن بدت أنها حُسمت لطرف دون الآخر، فقد ألقت بظلالها اجتماعياً وسياسياً على الصف الجنوبي الذي تم إقصاؤه من صفته الإدارية والوظيفية في تصرف لا مسؤول بعد تلك الحرب الأهلية، التي كانت تتطلب تضميد الجراح ومعالجة التداعيات التي جاءت بها تلك الأحداث بدلاً من المجاهرة بالانتصار والمبالغة في إذلال الخصوم. وبالرغم من ظهور ما يسمى بالحراك الجنوبي مبكراً، إلا أنه قوبل بيد حديدية ووأد لكيانه وفكرته، وكبت لمن يقفون وراءه. فقد كانت كل القوى المؤثرة شمالاً تقف صفاً واحداً ضد أي تهديد للسلطة، وإن اختلفت يوماً في أي مستجد فإن ذلك لم يصل إلى درجة المواجهة المباشرة، واقتصر فقط على الصدامات الإعلامية والسياسية التي لم تؤثر يوماً على استقرار البلاد وأمنها؛ وذلك لأن السلطة اليمنية كانت قاصرة على أرضية جغرافية وقبلية واحدة، ولم تخرج من هذا الإطار مطلقاً، حتى وان اختلفت الأدبيات والتوجهات والافكار التي تحملها الأحزاب المتصارعة التي تمثل أبرز قوة على الساحة اليمنية.
فقادة تلك الأحزاب، سواء في السلطة أو المعارضة، ينتمون لقبيلة يمنية واحدة وإطار جغرافي واحد. هذا الأمر جعل من استهداف اللحمة الشمالية أمراً مهماً وعاجلاً، وذلك لن يتأتى إلا بفصل قوى القبيلة الواحدة عن بعضها، وقد نجح ذلك في ثورة 2011م التي فصلت آل الأحمر كلياً عن الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، بل وولدت قصة جديدة وحكاية فعلية من الصراع الحقيقي الجاد الذي تطور حتى وصل للوضع الراهن. إستطاع الجنوب أن يستعيد أنفاسه في ظل اضطراب الشمال، وساعده على ذلك العدوان الغاشم على البلاد والذي تركز على قوى الشمال اليمني ذات التأثير الكبير، فبدت الرغبة جادة لفصل كيان الجنوب كمجلس مستقل لا يتبع أي حكومة مركزية مطلقاً، ولا يؤمن بطرفي الصراع البتة، وكان منطقياً أن يأتي هذا المجلس السياسي الجنوبي، خصوصاً وقد وجد مناخاً خصباً جداً قد لا يتكرر في ظل صراع إماراتي سعودي على جغرافيا وتأريخ الجنوب.

تعليقات فيسبوك

مقالات ذات صلة

إغلاق