مساحة حرة

ترامب في السعودية: الدفع مقابل الزيارة!

بقلم:ابراهيم بديوي

إبّان حملته الانتخابية وَعَدَ بالتقارب مع العالم الإسلامي، وفتْح آفاقٍ جديدة للتعاون معه، موليًا اهتمامًا كبيرًا لضرورة تحسين الصورة الأمريكية لدى المواطنين العرب، بعد تشويهها في عهد سلفه جورج بوش الابن، من جرَّاء حربيهِ في أفغانستان والعراق، وحربه المفتوحة على «الإرهاب الإسلامي» بعدَ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، فكان أول لقاءٍ تليفزيونيٍّ له رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية مع قناة العربية، السعودية، وشملت أولى رحلاته الخارجية زيارةً لأنقرة، والقاهرة، التي ألقى فيها خطاب جامعة القاهرة الشهير.

هكذا كان الحال مع الرئيس الأمريكيّ السابق، باراك أوباما، فكيف سارت مع خلفه دونالد ترامب، الذي من المرتقب أن تحطّ قدمُه في الرياض، 21 مايو (آيار) الحالي، أول بلد يزوره بصفته رئيسًا للولايات المتحدة؟

ترامب «الرئيس» في مواجهة مع ترامب «المرشح الرئاسي»

مياهٌ كثيرة جرت في أنهار ترامب بعدما أنهى الـ 100 يوم الأولى له رئيساً للبلاد. على الصعيد الداخلي شهدت دائرة مقربيه فلترة كبيرة وإعادة ترتيب للأوراق، على إثرها استُبعد مستشاره للأمن القومي «مايكل فلين» المسيحي المتعصب، والذي يرى في الإسلام كـ«أيديولوجيا» ما يدعو للتقزز. كذلك جاره «ستيف بانون» كبير المخططين الاستراتيجيين في البيت الأبيض قُلصت صلاحياته، وأبعد نسبيًّا عن الرئيس ترامب، لتخلو الساحة لرجال الأعمال، أمثال: «ريكس تليرسون» وزير خارجيته.

ريكس تليرسون، وزير الخارجية الأمريكي، القادم رأسًا لمنصبه من عالم الأعمال، بينما كان مديرًا تنفيذيًّا لـ «إكسون موبيل»، واحدة من كبريات شركات النفط العالمية. وكانت مجلة فورين بوليسي الأمريكية قد نشرت تقريرًا مفصلًا عن أداء تليرسون وزيرًا للخارجية الأمريكية خلفًا لذائع الصيت والأثر «جون كيري».

لفتت الصحيفة النظر إلى المعركة التي يخوضها تليرسون مع مستشاري ترامب، الذين يبدو بعضهم وكأنه لا يهتم بمنصب وزير الخارجية، ما عدّته الصحيفة إقصاءً متعمدًا، فنجد على سبيل المثال لا الحصر مايكل فلين مستشار الأمن القومي السابق، يخرج في أحد تصريحاته الصحفية، مهددًا إيران ومتوعدًا لها لئلا تقوم بالمزيد من التجارب الصاروخية، في تخطٍّ واضح لمهام وزير الخارجية، ودون التنسيق المسبق معه. يبدو اليوم أن هذا الصراع على المهام والصلاحيات قد حُسم لصالح تليرسون، الذي يحتاجه ترامب لإبرام الصفقات، اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.

وعلى وقع تغييرات المستشارين والمقربين من الرئيس ترامب تبدّلت أولوياته، لا سيما وأن ما يقارب أربعة أشهر مرّت عليه في البيت الأبيض، وما يزال رصيده من المؤيدين ينزف، وهذا «الإرهاب الإسلامي» الذي طالما تشدق به مستشاروه المقرَّبون ينحصر رويدًا رويدًا في «تنظيم الدولة»، و«القاعدة»، وربما إيران، وتبقى المملكة العربية السعودية مركزًا إقليميًّا ودوليًّا لمجابهة الإرهاب، فما الذي تغيَّر؟

بعد أزمة حظر النفط العربي عام 1973، تبلور بشكلٍ رئيسي مفهوم «أمن الطاقة»، وتحدَّدت على إثر ذلك أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وتصدَّر الحديث عن أمن الطاقة برامج مرشحي الرئاسة الأمريكية منذ ذلك الحين، إذ اعتُبر تهديد أمن الطاقة تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية، ما استدعى إعلان الرئيس كارتر في خطاب حالة الاتحاد، 23 يناير (كانون الثاني) 1980، عن نيَّة الولايات المتحدة استخدام القوة لحماية نفط الخليج من أي اعتداءٍ خارجيّ، وجاءت هذه الرسالة بعدما احتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان 1979.

كان أمن الطاقة في عقيدة كارتر منصبًّا فقط حول تأمين إنتاج النفط وخطوط إمداده، ما يوفِّر للولايات المتحدة ما تحتاجه لاستخدامات الأفراد والمصانع الأمريكية، لكن بنهاية القرن الماضي تطوَّر مفهوم أمن الطاقة ليصير أكثر شمولًا مما ذكرنا، إذ باتَ على الولايات المتحدة التزاماتٍ أكثر تجاه الدول المنتجة للنفط والغاز، وتتمثَّل هذه الالتزامات في دعم البنى التحتيَّة لهذه البلاد، وضمان استقرارها السياسي والاجتماعي، ومحاربة الإرهاب على طول خطوط الإمداد (حركات القرصنة الصومالية على سبيل المثال)، والدفاع عن هذه الدول وحدودها البرية والبحرية أمام دول الجوار إن اعتدت.

الاهتمام المتزايد بالنفط بالطبع كانت له ارتداداته العكسية على السياسة الأمريكية، إذ زادت الأهمية الاستراتيجية للدول المصدِّرة، وزادت معها كلفة حمايتها من الأخطار، والتي تتكلفها الإدارة الأمريكية، كذلك سعت الكثير من الدول لاحتلال مكانة أكبر في سوق النفط العالمية، مثل بعض الدول الإفريقية ومنطقة بحر قزوين، وغيرها.

المال «الأرز»: ورقة السعودية الرابحة

نشرت نيويورك تايمز الأمريكية في أبريل (نيسان) 2016، تقريرًا أوضحت خلاله حجم التهديدات الاقتصادية الخليجية للولايات المتحدة الأمريكية اعتراضًا من الأولى على قانون أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، المعروف اصطلاحًا بـ «جاستا»، والذي يسمح بمقاضاة المملكة العربية السعودية أمام المحاكم الأمريكية على خلفية اتهامها بالضلوع في الأحداث، وتورط مسؤولين في الحكومة السعودية بالهجمات على برجي التجارة العالميين، وهو القرار الذي أقره الكونغرس فيما بعد.

أوضحت مصادر في هذا الصدد، أن وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» قد سلم الإدارة الأمريكية في زيارته لواشنطن، مارس (آذار) من نفس العام، رسالةً من الملك سلمان هدد فيها الولايات المتحدة ببيع المملكة لأصولٍ تملكها داخل الولايات المتحدة تبلغ قيمتها 750 مليار دولار، وهو ما يهدِّد اقتصاد كلا البلدين، لكن مر القانون بموافقة الكونغرس في سبتمبر (أيلول) الماضي، ويبدو أن ورقة المال لم تفلح هذه المرة في ظل رغبة الكونغرس ذي الأغلبية الجمهورية في استعداء السعودية.

إذا عدنا بالذاكرة للوراء قليلًا، نجد دونالد ترامب المرشح الرئاسي واصفًا استخدام سلفه، أوباما، لحق النقض «الفيتو» على مشروع القانون بالأمر المخجل، وها هو يحط برحاله في الرياض أولى محطاته الخارجية.

بالتأكيد حملت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لواشنطن، مارس (آذار) الماضي، الكثير من التفاصيل، كان من شأنها تغيير الموقف الأمريكي من السعودية، وربما يكون لتعيين شقيقه الأصغر، الأمير خالد بن سلمان سفيرًا للمملكة في واشنطن، دورًا في المزيد من الصفقات الثنائية في قادم الأيام.

لجأت المملكة لورقة المال لإخضاع دونالد ترامب وترويضه بعدما بدا على طرف نقيض مع البلدان العربية لا سيما الخليجية، وعلى رأسها المملكة السعودية، فحسب تصريحاتٍ رسمية أمريكية، اقتربت الإدارة الأمريكية من تدبير صفقات سلاح مع المملكة العربية السعودية تُقدَّر إجمالًا بما يزيد على 100 مليار دولار، فيما يلمِّح المتحدث باسم الإدارة الأمريكية بإمكانية أن تتجاوز عقود تجارة السلاح بين البلدين 300 مليار دولار. ويبدو أن ائتلاف جماعات النفط والسلاح وجدوا ضالتهم كما كانوا في فترة حكم بوش الابن، هذه المرة في ظل إدارة ترامب.

السعودية 2030 وحلم الأمير الشاب في الخلافة

اختير محمد بن سلمان وزيرًا للدفاع أواخر يناير (كانون الثاني) 2015، ليعلن في مارس (آذار) من نفس العام خوض بلاده حربًا مسلحة ضد جماعة الحوثيين في اليمن، أسماها «عاصفة الحزم»، ومثلت الحرب الدور الأبرز من بين الأدوار التي تكفَّل محمد بن سلمان برعايتها منذ اللحظات الأولى لتواجده بالقصر الملكي، وكان الأمير الشاب توّاقًا لإحراز نصرٍ ملموس على أرض الواقع، يُرسِّخ من خلاله لتواجده ونفوذه داخل البيت الحاكم، لكنَّه تورط في الحرب ولم يحقق نصرًا يُذكر. كما لم تسعد اليمن يومًا واحدًا منذ ذلك التاريخ، وإذ يبدو أنّ اليمن اليوم على شفير التقسيم لدولةٍ في الجنوب وأخرى – يحكمها الحوثي- في الشمال حذاء المملكة.

في أبريل (نيسان) 2016، أعلن الأمير الشاب رؤيته للمملكة العربية السعودية عام 2030، إذ يسعى لإحداث تغيير جذري في قطاعات الاقتصاد المختلفة، وتسعى المملكة خلال هذه الرؤية لمضاعفة إنتاجها المحلي من الصادرات غير النفطية من 16% حاليًا إلى 50%، بزيادةٍ في الاستثمار الأجنبي من إجمالي الناتج المحلي من 3.8% إلى 5.7%، وتقدم المملكة في مؤشر أداء الخدمات اللوجستية من المرتبة 49 للمرتبة 25 دوليًّا، لتصبح الأولى إقليميًّا.

يتضح من رؤية الأمير الشاب رغبته الشديدة في جذب الاستثمار الخارجي، وفي القلب منه بالتأكيد الأمريكي، وهو ما تأكد خلال مؤتمر مشترك لغرفتي التجارة الأمريكية والسعودية أبريل (نيسان) الماضي، إذ ستوقع – بحسب البيان الختامي للمؤتمر- خمس عشرة شركةً أمريكية عقودًا استثمارية ضمن الرؤية السعودية الجديدة الشهر التالي (مايو الحالي). وأكد وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، دعم بلاده لرؤية المملكة 2030، والتي تهدف إلى زيادة الحصص الأجنبية في الشركات العامة.

الديمقراطية الأمريكية.. المصلحة أم القيمة؟

دائمًا ما وقعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في هذا الإشكال، أيهما يجب على أمريكا أن تحترمه وتتحرك من خلاله؛ القيم الأمريكية كحقوق الإنسان، وحق تقرير المصير لشعوب العالم الثالث، وحظر انتهاك الحقوق المدنية حيث وُجدت الصراعات المسلحة، وبين المصلحة الأمريكية في تأكيد أمن الطاقة متمثلًا في النفط الخليجي الوفير، وإبرام الصفقات العسكرية التي لا تتورَّع دول المنطقة العربية من الاستثمار فيها لسد احتياج حقيقي متعلق بصراعات محددة، أو حتى لقمع الشعوب وتدعيم ركائز السلطة في ظل غياب الديمقراطية.

وغالبًا ما تقرر الإدارة الأمريكية أنه لا بديل عن المصلحة الأمريكية، ولا ضير من إجراء شراكات مع أنظمة استبدادية طالما ستتكلَّف هذه الأنظمة ضريبة رفاهية المواطن الأمريكي.

المصدر:ساسة بوست

تعليقات فيسبوك

مقالات ذات صلة

إغلاق