مساحة حرة

حرب الخرائط الداخلية والخارجية فى الخليج تمر عبر ترامب ونظام خليجى جديد

بقلم:خالد فارس|

Khalid-faresPhoto-2-(1).jpg

أطلقت زيارة ترامب اشارة البدأ فى اعادة رسم الخارطة السياسية فى المنطقة. ويبدو أن أميركا قد تَوّجَتْ السعودية رأس حربة النظام الخليجى الجديد. الخرائط الجديدة, ومن سيرسمها, وأين قاعدتها السياسية والثقافية والاقتصادية. ماهو شكلها ومضمونها السياسى: كونفدرالية ذات ملكية مركزية, فيدرالية ملكية مثلاً؟! هل حقيقة  “خط جديد رسم في رمال الشرق الأوسط”, كما يقول سفير “اسرائيل” فى واشنطن.

فى هذا القول ادعاء بأن ترامب يسعى الى تجديد أو احداث “بيروسترويكا” فى المشروع الخليجى, وتحويله الى قاعدة انطلاق للرأسمال الامريكى فى المنطقة وفى العالم. ننظر الى الخلاف الخليجى الخليجى و القطرى, على أنه جزء من التغيير الذى تسعى له أميركا. كيف؟

لاشك لدينا بأن سايكس بيكو قد هَرِمُت, الى درجة لم تعد معها قادرة على التعاطى مع تعقيدات الاستحقاقات الجديدة فى المنطقة. المشروع “الاسرائيلى” مثلاً تغلغل الى درجة كبيرة فى الوطن العربى, بحاجة الى خارطة حواضن عَلَنِيّة وشرعية, مشروع أيران يتحرك استراتيجيا متواجهاً مع خرائط المشروع الصهيونى, المشروع التركى يتعرض الى هزات فى محيطه, يحاول اعادة الانطلاق من جديد.

كافة مشاريع الخرائط التى تدخلت فيها دول الخليج, سواء فى سوريا, اليمن, ليبيا, آلت الى فشل ذريع, فلم تتحقق فى هذه الدول, أى من المخططات الخليجية. ومازالت الامور تتدحرج الى الأسوأ, بدرجات متفاوتة, ولها ارتدادات عكسية على دول الخليج, فإما أن تفشل دول الخليج أو تُعيدْ الانطلاق من جديد. انكشف عجز دول الخليج السياسى,  فانكشفت أمام أميركا والعالم, لهذا أصبح ضرورياًّ, امريكيًّا وخليجيا-سعودياً, احداث عملية جراحية.

نشات دول سايكس بيكو على أن الدولة فوق المجتمع, ولها ثلاثة أركان: جوهرانية الثقافى, بمعنى أن المشروع الثقافى (الدينى القبلى السلالاتى)  جوهر الدولة, ثانياً: جوهرانية الاقتصادى, بمعنى أن الدولة هى التى تسيطر على تقسيم الاقتصاد بين مشاريع للدولة ومشاريع لاصحاب رؤوس الاموال, تؤول فى جذورها الى التبعية للمركز الرأسمالى العالمى.

قد يبدو الامر كذلك طبيعيا. فمثلاً, دولة الاحتلال “اسرائيل” هى كذلك أيضاً, تقوم على جوهرانية المشروع الصهيونى الدينى العلمانى, وعلى اقتصاد مالى مرتبط بالمركز المالى الرأسمالى العالمى.

ولكن الفرق الجوهرى يكمن فى السياسى (الركن الثالث). ليس مقبولاً فى دول سايكس بيكو أن يكون هناك شىء اسمه مجتمع سياسى فى الوطن العربى. ممكن مجتمع ثقافى أو أقتصادى, أما السياسى, فهو من المحرمات الكبرى. فالسياسى يعنى: تحرر وطنى, تحرر اجتماعى, تحرر ديمقراطى, وكلها من مُوْبِقات الايمان فى سايكس-بيكو.

المجتمعات العربية عموماً, والخليج خصوصاً, مجتمعات مُجَرّدَة من السياسى, كانعكاس  لغياب المشروع السياسى عن الدول العربية, فهى دول يغيب فيها مشروع سياسى حقيقى. لأنها قَبِلَتْ بوجودها على أساس مشروع سياسى جاء من الخارج. وعليها فقط ادارة واستدامة هذا المشروع, دون تغييره. لذلك يلعب الثقافى والاقتصادى مَهَمّةْ تَغْييب السياسى, أو نَفْيَهُ, وابعاده, بل تحريمه عن الوجود.

المعادلة المطلوب تجديدها فى الخليج, تعميق دور الاقتصاد (احتكار رأس المال من قوى جديدة أكثر تبعية), وهيمنة ثقافية (اعادة رسم خارطة احتكار عقيدة المجتمع والدين). وتفريغ المجتمع من السياسى, فيبقى يعيش حالة صنمية, متجمدة فى الثقافة والاقتصاد,  ولايستطيع العربى استيعاب علاقات سياسية مع الآخر.

على هذا الاساس, نشير الى أن المبالغ الهائلة التى تم دفعها من السعودية الى أميركا, والتى تتجاوز 400 مليار دولار, لتغيير تركيبة القيادة الاقتصادية فى المنطقة التى تمنح أميركا وليس أروروبا هيمنة-احتكار رأس المال. وبشأن تغيير فى  احتكار عقيدة الاسلام, نشير الى أمرين: الاول: ما نُسِبَ من تصريحات آل الشيخ المزعومة, ضد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد, بشأن النَسَبْ الى عائلة محمد بن عبدالوهاب, والثانية: قبل مَجىء ترامب الى المنطقة, كان قد منح السعودية مركز القداسة الاسلامية (المُقَرر الدينى فى المنطقة): “السعودية هي الوصية على الموقعين الأكثر قدسية في الإسلام”

قطر ليست خارج السرب الخليجى, فهى جزء لايتجزأ, ومكون أصيل فى البيت الخليجى. ولعبت أدواراً استراتيجية فى تعميق وترسيخ هذا النموذج. وما ينطبق على قطر ينطبق على كافة دول الخليج, والعكس, وتقاس الامور بنسبيتها دائماً.

ولكن الاختلاف عن النمط الخليجى, الكلاسيكى, جاء من حيث أن قطر أرادت تغيير مفهوم السياسى. فهى لا تختلف عن دول الخليج فى مسألة الثقافى-ثقافة اسلامية وهابية, والاقتصادى- اقتصاد ليبرالى مالى استثمارى تبعى للغرب. فى السياسى, أرادت قطر تَبَنى أدوات ومناهج جديدة, من منطلق أنها ستساهم فى تطوير المشروع الخليجى العربى. أَدْخَلَتْ قطر مفهوم “الحزبية المجتمعية” على السياسى. وأعَتْقَدِ ْأن هذا ما خلق الزوبعة الكبرى. كيف؟

العلاقة بين قطر وحماس, والاخوان المسلمين, ومثقفين تَبَلْوَرَت افكارهم وتصوراتهم من خلال انتمائهم لتيارات سياسية متحزبة (يسارية قومية ليبرالية). هو الذى يجعل من السياسى الخليجى (الذى تبنته قطر فى المنطقة) مُنْفَلِتاً عن السرب, حسب رأى السعودية والامارات.

كافة الحركات السياسية التى تتحالف مع قطر, بمن فيهم المثقفين الذين تدعمهم, يتقاطعون عند مسألة حساسة وخطيرة بالنسبة للسعودية والامارات, وهى انخراط واستنهاض المجتمع العربى. ما نقصده, أن مشروع الاخوان المسلمين (ومن يدور فى فلكهم) أصبح مجتمعيا سياسياً, بعد أن انتقل من الدعوى, ومشروع الليبراليين العرب, هو أيضاً ينطلق من مشروع مجتمع عربى “الليبرالية الاجتماعية: المواطنة والديمقراطية مثلاً”.

يعنى ذلك, تغيير قواعد اللعبة فى الحقل السياسى, ورسم خارطة سياسية داخلية جديدة, فى أن يُصْبِح هناك مشروع سياسى فى المجتمع العربى, وأن يُعَبّر المجتمع العربى عن رأيه فى السياسة, وبالتالى انتزاع السياسى من الخارج, وتوطينه فى الداخل. يعتبر ذلك أمرٌ جَلَلْ عند البعض. لأنه يُغَيّر مضمون الاطار السياسى الذى يَجْمَعْ دول مجلس التعاون. ويسحب قواعد اللعبة من الدولة, التى تم هندستها, دولة بلا مجتمع سياسى.

اذاً, قطر فى نظر الآخرين, تستدعى السياسى الى المجتمع, ليس لأن قطر دولة ثورية أو تحررية على طريقة اليسار العربى أو القومى, أو لانها تسعى الى مجتمع مختلف عن المجتمع الخليجى, بل ترى أن دَوْر دول الخليج فى المنطقة يمكن أن يكون استراتيجى وذو تأثير أكبر, مع الاحتفاظ بعلاقات متميزة استراتيجية مع أميركا, ولا تُعادى الغرب, من خلال التحالف مع قوى صديقة, تنطلق من دور مركزى للمجتمع العربى, و تؤمن ببناء مجتمع سياسى عربى, متصالح مع الخليج واصدقاء الخليج, و قاعدته فى الخليج.

حركة الاخوان المسلمين على سبيل المثال, لها علاقات تاريخية مع السعودية, وتحالفت معها ضد جمال عبد الناصر وضد منظمة التحرير وحركات التحرر العربى, ولكنها كانت أداة بيد السعودية. وأثناء استخدام السعودية لها, ضبطت سولكها, فحافظت على طابعها اللاحزبى داخل السعودية. تماهت حركة الاخوان مع نمط الدولة السعودية, حيث وجدت فى السعودية القاعدة الاصيلة لجذور أفكارها: الثقافى (مشروع الدعوة), الاقتصاد (قاعدة للتمويل وبناء الاقتصاد الاسلامى).

تَغَيّرَ تنظيم الاخوان, وتطورت الاحداث, ودخلت حركة الاخوان مرحلة تحزيب السياسى, أو بالاصح, تقديم السياسى على الثقافى, حيث توصلت الى قناعة أنه بدون السياسى لن تصل الى الحكم. سَطّرَ وصول محمد مرسى الى سدة الحكم فى مصر, علامة فارقة, وقد جاء تعبيراً صارخاً عن عملية تحول نوعية عبر سنوات طويلة وعميقة, انتقل فيها الاسلام الدعوى الى حالة نوعية جديدة, انتقل بكامله الى الاسلام السياسى الحزبى.

لاتريد السعودية الخروج من الماضى, فهى تريد كافة الحركات الاسلامية دعوية, تتبع السعودية, ولاتتدخل فى السياسة, وليس لها مشروع دولة بديلة حتى لو كان دولة اسلامية.  فالسعودية هى النموذج الاسلامى, الذى يمثل السلف الصالح. فلاحاجة للمسلمين فى دولة أو مجتمع غير ذلك.

لن تمانع قطر من أن يكون الاسلام حزبى, ويقوده مشروع ذو بعد مجتمعى, شريطة أن يقبل بمبادىء دولة قطر السياسى والثقافى والاقتصادى, لذلك وجدت قطر فى ذلك أمراً طبيعياً. لاقى هذا الامر قبولاً وتأييداً من التيار الليبرالى العربى, المُمَول من قطر.

لن تقبل بذلك السعودية والامارات, فلو قبلت به, فهذا يعنى أنها تقبل تحويل السياسى (المغيب) الى حزبى مجتمعى فى الداخل. ويعنى ذلك استدخال أنماط تفكير وممارسات فى المجتمع, تتناقض مع الثقافى السكونى (ولاة الامر والسلالة الدينية), والاقتصادى الريعى (توزيع الثروة على أساس أهلى, بين رأس النظام وباقى الشعب).

جاءت نُذُرْ الخطر عندما تقاطع حزب الله كحركة مقاومة مع حماس المقاومة, وتقاطع بين الاخوان المسلمين والمعارضة السياسية فى سوريا لاحقاً, وتقاطع بين الاخوان وبعض التنظيمات الجهادية فى سوريا. أصبح الاسلام المجتمعى سياسى, متحالف مع قطر التى تبنى جسور بين التيار الليبرالى المجتمعى العربى والاخوان المسلمين, كتلة سياسية كبيرة, ذات وزن اقتصادى وثقافى وسياسى, مؤهل فى أن يصبح البديل القادم, وبدأ يستعرض قواه أمام أميركا.

فترة حكم أوباما كانت الصاعقة الكبرى بالنسبة للسعودية والامارت عندما سعى الى تثبيت حكم الاخوان فى المنطقة, ربما بصيغة أسلام مجتمعى ليبرالى. عندما ذهب أوباما, وجدت السعودية والامارت أن الوقت قد حان, ويجب عدم تفويت هذه الفرضة, لابد من تدمير هذا النموذج.

قد يقول البعض أن الامارات تتبنى محمد دحلان القيادى المفصول من حركة فتح. ماالفرق اذا؟ فى رأيى أن الفرق كبير. فى البداية تقاطعت الامارات مع دحلان على قاعدة التناقض مع حماس, أى الاخوان المسلمين. أستمرت العلاقة مع دحلان عندما تأكد للامارات بأن دحلان ليس رجل سياسة اجتماعية, أى أنه لا يحمل مشروع سياسى يتعلق بالمجتمع العربى. بل هو رجل صفقات, أى أن السياسة عنده مجرد صفقات مثلها مثل الاقتصاد. لذلك يبقى دحلان نموذجا يساير ويتناغم مع مفهوم السياسة عند الامارات والسعودية.

تعليقات فيسبوك

مقالات ذات صلة

إغلاق