العرض في الرئيسةقراءات

ماذا ستخسر السعودية بعد أن يهدأ زلزال الخليج؟

| بقلم: فراس أبو هلال |

 

إذا كان من الصعب الحكم في تداعيات الأزمة الخليجية على مستقبل سياسات قطر وإعلامها ودورها في المنطقة، فإن الحكم على الخسائر الاستراتيجية التي ستمنى بها السعودية بعد انتهاء الأزمة، ليس أمرا بالصعوبة ذاتها!

تعتمد خسائر أو مكاسب الدوحة على مسارات الأزمة القادمة، وعلى طبيعة تفاعل مكونات الإدارة الأمريكية المتناقضة تحت ترامب تجاهها، وعلى الدور التركي في دعم قطر، وعلى الموقف الأوروبي والألماني تحديدا، وهو أمر يجعل من الصعب على أي محلل أن يتوقع بدقة نتيجة الصراع من زاوية تأثيرها على قطر، ولكن الخسائر السعودية الاستراتيجية من هذا الزلزال واضحة وممكنة التوقع، بغض النظر عن المسارات التي ستسلكها الأزمة.

نهاية مجلس التعاون الخليجي

إن أهم خسائر السعودية على المدى المتوسط والبعيد هي نهاية مجلس التعاون الخليجي كما كنا نعرفه قبل يوم 5 حزيران الجاري. لن يعود هذا المجلس كما كان، بعد أن لجأت الدولة الكبرى فيه إلى حصار دولة جارة وصغيرة وعضو في المجلس؛ إذ إن دول الخليج لم تلجأ لمثل هذه الأساليب العنيفة في تاريخ صراعاتها منذ تأسيس مجلس التعاون في أعقاب “الثورة الإسلامية الإيرانية”، وظل المجلس محافظا على تماسكه في أحلك الظروف، وفي أسوأ الخلافات؛ نتيجة للتعامل “الأخوي” في حل الخلافات، والطابع البدوي القبائلي لشعوب المجلس ودوله.

استطاع مجلس التعاون الخليجي أن يمثل حالة نادرة من الفاعلية بين المجالس الإقليمية الفاشلة والهشة في العالم العربي، وكان يعدّ نموذجا على التماسك والدبلوماسية، ولكن هذه الحالة أصبحت جزءا من التاريخ بعد “حصار قطر”، إذ اتخذت “الشقيقة الكبرى” قرارا بالتصعيد والحصار والمقاطعة لجارتها الصغيرة، حتى دون أن تقدم “طلباتها” لهذه الجارة، ودون أن تطلب اجتماعا لمجلس التعاون لنقاش الخلاف وإمكانية حله قبل أن تتخذ قرار الحصار، فيما صمتت الأمانة العامة للمجلس صمت القبور، بينما يتحدث مسؤولو دول العالم والإقليم عن الأزمة بشكل يومي.

مهما كانت نتيجة هذا الزلزال المرحلية، فإن مجلس التعاون لن يعود كما كان، وستنتهي أعراف “العائلة” التي كانت تسود في التعامل مع أزمات الخليج، وستبحث كل دولة عن تحقيق أمنها ومصالحها بعيدا عن المجلس الذي بدا كجثة هامدة في ظل حصار بعض دوله ضد دولة أخرى عضو فيه.

ولكن ماذا ستعني نهاية مجلس التعاون بالنسبة للسعودية؟ إنها تعني، باختصار، نهاية موقع “الشقيقة الكبرى” للخليج، وللأبد!

خسارة الكويت وعمان

حاول أمير الكويت لعب دور إيجابي في حل الأزمة، وانتقل بين الرياض و أبو ظبي والدوحة للوصول إلى تسوية بين الأشقاء، ولكنه عاد للكويت دون تصريحات أو أي بشائر لإنهاء الصراع، وهو ما يعني أنه فشل، حتى الآن، في تحقيق ما استطاع تحقيقه في أزمة سحب السفراء عام 2014.

أما سلطنة عمان، فقد صمتت تماما، ولم تصدر أي تصريح أو عمل دبلوماسي أو موقف تجاه الأزمة، وهو ما يعني ابتداء أن السعودية فشلت في حشد دول الخليج جميعها وراء خطواتها التصعيدية.

ولكن الأهم من هذا الفشل هو الخسارة الاستراتيجية المتمثلة بتحول السعودية من دولة جارة شقيقة، تختلف أو تتفق مع جيرانها، إلى دولة تريد أن تتغول على جيرانها الخليجيين، وأن تفرض عليهم سياستهم الخارجية، وهو ما سيدفع الكويت وعمان للبحث عن أوراق قوة وتحالفات جديدة، وربما “غير متوقعة”؛ لحماية نفسيهما من الجار الأكبر الذي قد يقرر يوما أن يحاصرهما لأسباب تتعلق بسياستهما الخارجية أو اختلافهما مع الرياض في هذا الموقف أو ذاك.

كانت دول الخليج تعتقد أنها محمية “بفضل” التحالف مع الولايات المتحدة، وأنها يمكن أن تعتمد على واشنطن التي ستحافظ على توازنات الخليج واستقراره، باعتبارها منطقة حيوية ومهمة للأمن القومي الأمريكي. ولكن الأزمة أظهرت أن الاعتماد على توازنات أمريكا غير كاف، وأن وصول رئيس غير متزن مثل ترامب للبيت الأبيض يمكن أن يسمح للسعودية أن تغير هذه التوازنات، وأن تهدد حياة واستقرار هذه الدول وشعوبها حينما تقرر ذلك، وهو ما سيدفع هذه الدول للبحث عن علاقات وتوازنات أخرى لضمان مصالحها وأمنها، الأمر الذي سيهدد ليس فقط السعودية، بل حتى المصالح الأمريكية في المنطقة.

 

تعليقات فيسبوك

مقالات ذات صلة

إغلاق