الجمعة, 24 سبتمبر, 2021 م

تدمير اليمن واغتيال الحياة ووأد الحريات

بقلم:عبدالباري طاهر|

صورة تدمير اليمن واغتيال الحياة ووأد الحريات

امان من الحرب الداخلية والخارجية تدمّر كياناً هشاً، تغتال فيه الحياة، وتئد الحريات، وتقتل الإنسان. قبل أسابيع، نشرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريراً مرعباً عن انتهاكات حقوق الإنسان. أكد التقرير، الضاج بالمآسي، ضلوع أطراف الحرب الداخلية والخارجية في هذه الجرائم.

يختلفون حد الإقتتال، لكنهم متوحدون حد التماهي في الانتهاك وقمع الحريات ومصادرة حقوق الإنسان. فهم مقترفو جرائم حرب وضد الإنسانية. التقارير الدولية جلها تشهد أن اليمن في الراهن تتصدر بلدان العالم كأسوأ بلد في الحياة والمعيشة والحريات وانتشار الأوبئة الفتاكة والأمية. يتسابق ويتنافس تجار الحروب في كل الإتجاهات على التفوق في الانتهاك واقتراف جرائم الحرب وقمع الحريات، وبالأخص «حرية الرأي والتعبير»، الشاهد الحق على جرائم الحرب وانغماس تجارها في التلاعب بأمن البلد وسلامها واستقرارها وأرواح وأرزاق أبنائها.
تقرير منظمة الصحافيين اليمنيين للنصف الأول من عام 2017 يترصد جرائم يندى لها الجبين وتؤرق الضمائر. يرصد التقرير الحريص المتتبع 130 حالة انتهاك للحريات الإعلامية، تتشارك فيها كل الأطراف المتنوعة والمتعددة المتكسبة من الحرب، والمدججة بالمليشيات وبالعدوان الخارجي.
الإجراءات القامعة، بحسب التقرير، استهدفت 195 صحافياً ومؤسسة إعلامية: قتل، اعتداءات، تهديد، مصادرة، إيقاف عن العمل، تعذيب وشروع في القتل، تهكير مواقع إخبارية، إخفاء قسري، ونهب مقتنيات الصحافيين ومحاكمتهم وترويعهم. يرصد التقرير تزايد الإنتهاكات عن العام الماضي، و«الخير لقدام»، كما يقول غوار الطوشي. بلغت الزيادة 30% خلال نصف العام الحالي.
التقرير يقدم لوحة كالحة ومفجعة. يحدد الإنتهاكات بدقة متناهية بحسب إمكانية الرصد، على صعوبته، في واقع منقسم مفكك ومتحارب. ويقيناً، فإن عشرات الإنتهاكات كانت لا يبلغ عنها: إما بسبب الخوف، أو عدم القدرة على التواصل مع مسؤولي النقابة الذين يعملون في ظروف غاية في الصعوبة والخوف، وغياب الإمكانات، وإغلاق مقر النقابة، وتواري الناشطين أو فرارهم خارج البلد.

رغم التسابق المحموم على اقتراف جرائم الإنتهاك، إلا أن «الحوثيين» لا يزالون يتقدمون الصفوف في الانتهاك. فالتقرير يرصد 64 حالة انتهاك ارتكبتها جماعة الحوثي بنسبة 49%، وتتبوأ المرتبة الثانية مباشرة قوة الشرعية بـ32 حالة انتهاك بنسبة 25%، إضافة إلى جهات مجهولة اقترفت 20 حالة بنسبة 15%، وحتى المقاومة في تعز المطالبة بفك الحصار، صاحبة المظلمة الكبرى، لا تتوانى هي الأخرى عن اقتراف جرائم الإنتهاك، «فلا أحد أحسن من أحد»، فهي أيضاً مرتبطة بأحزاب قائمة على الإنتهاك، وأطراف في جرائم الحرب، والحرب ضد الإنسانية، فلهم أيضاً نصيبهم من الإنتهاك: 6 انتهاكات بنسبة 5%، وكل طرف بحسب قدرته. وهناك عناصر تنتمي لـ«الحراك الجنوبي» ارتكبت 4 حالات بنسبة 3%، وجماعات متطرفة ارتكبت 3 حالات بنسبة 2%، و«التحالف العربي» حالة واحدة بنسبة 1% من إجمالي الإنتهاكات.
يلاحظ تقرير النصف الأول من العام الجاري حدوث تغير في نسب تورط الأطراف المتصارعة مقارنة بالنصف الأول من العام الفائت؛ حيث تراجعت نسبة الحوثيين من 65% ارتكبتها خلال العام الأول من العام الماضي إلى 49%، وصعود نسبة الإنتهاكات التي ارتكبتها جهات حكومية من 7% خلال النصف الأول من العام الماضي إلى 25% خلال النصف الأول من العام الحالي.

ويشتمل التقرير أيضاً على لوائح بأسماء الصحافيين الذين تعرضوا للاختطاف والاعتقال والانتهاك بصورة عامة، وهم بالعشرات. ويقبع 17 صحافياً في سجن هبرة بصنعاء لا يسمح لعوائلهم بالزيارة، ويدور الحديث عن تعرضهم للتعذيب، وقد أعلنوا الإضراب عن الطعام في فترة سابقة.

تتحدث بعض المواقع عن تهديد عدد من الصحافيين بالإضراب، وهم من العاملين في المؤسسات الإعلامية التابعة لـ«الشرعية» في العاصمة السعودية، والذين لم يتسلموا مرتباتهم منذ بضعة أشهر، يلوّحون بالعودة للإضراب بسبب المماطلة والتسويف في صرف مرتباتهم، وسبق لهؤلاء الزملاء أن أضربوا في نهايات شهر رمضان إلا أنهم وُعِدوا بصرف المرتبات بعد إجازة العيد.

الأطراف المتحاربة في الداخل والخارج تتوحد في الانتهاكات، وفي معاقبة الصحافيين وتجويعهم، وفي ممارسة القمع والإرهاب.
لا يتوقف القمع والإرهاب عند حدود الصحافيين؛ فبالنسبة المليشيات كلها، وسلطات الأمر الواقع، وزبانية الحرب وتجارها، لا شرعية ولا سند للاستنقاع في سلطة الأمر الواقع إلا بالعنف واستمرار الحرب؛ فالحرب وسيلة الوصول إلى فرض الواقع القاتل، والوسيلة الوحيدة للمكوث فيه إلى الأبد.
الحرب الداخلية الأهلية تقوي عضلات الطغيان، الفساد والاستبداد، وتعزز نفوذ وسيطرة صناعها.

الحرب الخارجية تزكي الحرب الداخلية وتزيدها اشتعالاً، وكل منها يرفد ويبرر الآخر، وكل منها أيضاً يغطي ويبرر جرائم الآخر، ويغطي العدوان الخارجي، ويضفي على تجار الحروب الأهلية سمة البطولة والمقاومة، والدفاع عن السيادة والاستقلال، ويعطي المبرر والذريعة لقمع الحريات العامة والديمقراطية، والتنكيل بحرية الرأي والتعبير، وإخماد أصوات الداعين والمدافعين عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فالحرب الوسيلة المثلى للتنكيل بالمواطنين، ونهب لقمة الخبز الكفاف من أفواه الجائعين، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

تقرير «هيومن رايتس ووتش» الأخير، وتقرير نقابة الصحافيين اليمنيين، يؤكدان أن الحرب الداخلية والخارجية تتقاسمان المسؤولية عن جرائم متسلسلة ومتناسلة: تدمير البنية التحتية في طول اليمن وعرضها: المدارس، الأسواق الشعبية، الأحياء السكنية، المساجد، صالات العزاء والأعراس، الطرقات، المكتبات، الآثار… بمعنى أن هذه الحرب قد طالت الحياة برمتها؛ فهناك، بحسب التقارير الدولية، آلاف القتلى، وثلاثة ملايين مهجر، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، وحالة المجاعة الواصلة أكثر من سبعة عشر مليوناً، وأكثر من نصف مليون طفل يفتقرون للغذاء، والحرب مسؤولة عن الأوبئة الفتاكة كالكوليرا، وعودة الأوبئة المنقرضة كالمالاريا والبلهارسيا والجذام والعمى وو…إلخ.

اليمن البلد الفقير المحتاج إلى دعم ومساندة إخوانه وجواره الأغنى، يتحول إلى ميدان صراع بأردية طوائفية وجهوية ومناطقية. يُدمّر كيانه وآثاره، وتُمسخ إرادة أبنائه الخيرة التواقة للحرية والسلام والديمقراطية والحياة.

خليك معنا

مرحبا بعودتك!

تسجيل الدخول إلى حسابك أدناه

انشاء حساب جديد!

املأ النماذج أدناه للتسجيل

استرداد كلمة المرور

الرجاء إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

أضف قائمة تشغيل جديدة