موقف

خضّــــــة أفــــــكار

|بقلم: لطف الصراري|

صورة خضّة أفكار

ماذا يحدث للدماغ عندما تختضّ الأفكار والأحداث والذكريات بداخله؟
ربما يجدر التنويه قبل كل شيء إلى أن هذا السؤال لا يتعلق بدروس البرمجة العصبية وتطوير أداء العقل أو القدرات الذاتية للفرد. لنقُل ببساطة إنه سؤال تشكل في ذهن كل مواطن يمني يعيش منذ ما يقارب ثلاث سنوات تحت وطأة الحرب.

المواطن اليمني الذي أجبرته الحرب على ترك بيته والفرار بأولاده إلى مكان آمن، ثم أفقدته عمله، وبعض أفراد أسرته، وبعد ذلك أفقدته كبرياءه على إثر الوقوف المتكرر في طوابير استلام المعونات.

المواطن الذي يترقب منذ ثلاث سنوات انتهاء الحرب ليتمكن من العودة إلى بيته، أو في أسوأ الاحتمالات العيش بسلام حتى في أنقاض بيت مدمّر. المواطن الذي لم يعد يصغي لأزيز الطائرات وهدير المدافع ولعلعة الرصاص، بل إلى الزيف المركب في تصريحات السياسيين وقادة الحرب وهم يتحدثون عن السلام الذي يتوقعون الحصول عليه بعد تدمير الأرض والإنسان.

المواطن الذي يصغي لنشرات الأخبار ويبصق على وجوه هؤلاء الساسة، ليكتشف بعد نفاد مخزون بطاريته من الطاقة الشمسية، أنه لم يفعل شيئاً سوى تلطيخ شاشة التلفاز بلعابه.

المواطن الذي يجهد في تأمين لقمة العيش وتفادي الأمراض الفتاكة التي انتشرت بسبب استمرار الحرب والحصار، وما أنتج هذا الوضع من تصدّعات أكثر فتكاً في المنظومات الأمنية والصحية والاقتصادية، وفي منظومة القيم الاجتماعية التي لم تتعرض لمثل هذا الاختلال في أي حرب سابقة شهدتها البلاد.

لليمنيين تاريخ طويل في الاحتراب الداخلي، وفي مواجهة الغزاة، لكنهم لم يدمّروا مدناً كاملة، ولطالما أفاقوا من سكرة العنف الشامل بسرعة، وتوافقوا على تقاسم أجهزة الحكم، حتى إذا أفضى هذا التوافق إلى دولة هشّة؛ ففي نهاية المطاف، يبقى للمواطن هامش للحركة وكسب رزقه، متنقلاً في أنحاء الجمهورية؛ لا أمراض مناطقية تخنقه ولا أوبئة طائفية تفتك به.

من أين جاء كل هذا الوباء؟

يقول كبار السن إنهم لم يشهدوا حرباً كهذه، بل لم يسمعوا من أسلافهم بأن اليمن شهدت حرباً وصل تأثيرها إلى كل بيت بصورة مشابهة لما يحدث الآن. بالطبع لم يكن لديهم هذا الكم من القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي ليعرفوا أن تركيا لم تكن لترفع يدها عن شمال اليمن لولا هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وأن بريطانيا لم تكن لـ«تحمل عصاها» وترحل من عدن لولا ترهّل سيطرتها الامبراطورية عقب الحرب العالمية الثانية؛ الامبراطورية التي تراخت قبضتها على غالبية مستعمراتها واحدة بعد الأخرى، وفي مقدمتها الهند.

وفي ذروة الانفتاح المعلوماتي الذي وصلنا إليه، ربما صار بإمكاننا الاطلاع بسهولة على التقارير الصحافية لروبرت فيسك، ومعرفة كيف سلّمت بريطانيا تاج التوسّع الامبراطوري للولايات المتحدة الأمريكية في خمسينيات القرن الماضي، وكيف أدارت أمريكا الصراع العربي الإسرائيلي في فترة السبعينات والثمانينات.
ربما صار بالإمكان الحصول بسهولة، على مذكرات قادة العالم وسياسييه، من تشرشل وهنري كسينجر وجولدا مائير إلى توني بلير و«عالم صدّام حسين»، تماماً كما يمكن لأي كان، متابعة تغريدات دونالد ترامب الفورية على «تويتر».
غير أن كل ذلك يبقى مجرّد هراء بالنسبة لدماغ رجل جائع ومحاصر، تختض بداخله الأفكار والذكريات، والفعل وردّ الفعل عن الأحداث الراهنة والمستقبل الذي يُبنى في الظلام.

تعليقات فيسبوك
تابعنا :

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *