الحرب في اليمن وخطر «اليمْنَـنَة»

عبدالباري طاهر

تراوح الحرب في اليمن بصورة راعبة بين مد وجزر. فمنذ أكثر من ثلاثة أعوام تدور الحرب المركبة: الأهلية، والإقليمية في غير منطقة، وتستعر على أكثر من جبهة، أحياناً في صرواح، وأحايين في نهم. تشتد وكأنها لن تتوقف إلا بإسقاط صنعاء، ثم تتضرم في الجوف، وفي مناطق أخرى من صعدة؛ فتنشط مكنة الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لتؤكد بأن حيدان ومران وصعدة هدف مباشر للسقوط.

في البيضاء ودمت تشتعل الحرب فيها ولا تتوقف إلا لتشتعل مرة أخرى. فغرس الثارات والصراع الدائم مهمة أساسية للصراع الإقليمي. ميدي وحرض كانت فاتحة الحرب بدعم سعودي مباشر، وقد نجم عن الغارات والعمليات العسكرية في كلتا المدينتين تدمير لهما، ولا تزال المدينتان- حتى الآن- عرضةً للحرب شبه المستمرة.

جبهة الساحل الجنوبي والتي تمتد لأكثر من مئتي كيلو متر مستمرة منذ أكثر من عامين، وقد وصلت إلى أطراف الحديدة منذ بضعة أشهر، وما إن تتوقف حتى تشتعل، وقد حققت هذه الجبهة بعض الانتصارات لصالح «التحالف»، والهدف منها هو إسقاط الحديدة أو حصارها على الأقل.

الطيران الإماراتي تسيَّد الأجواء لأشهر، ثم أخلى السبيل للطيران السعودي الذي واصل قصف المدن والأحياء الشعبية والمدارس والمستشفيات والطرقات العامة والمنشآت المدنية والمؤسسات الاقتصادية، وكان الطرف الأكثر تدميراً واقترافاً لجرائم حرب وضد الإنسانية، وضد المدنيين بشكل أكبر حسب تقارير المنظمات الدولية، وتقارير المجلس الأعلى لحقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة.

مدينة المدن اليمنية تعز، تختنق بحصار قاسٍ ومدمر منذ الأيام الأولى لاجتياح حركة «أنصار الله» لها بعد ذمار ويريم وإب متجهةً للجنوب، ومعتمدةً بالأساس على الوجود القوي لجيش وأمن صالح، ومحازبيه.

منذ عام 2015 والمدينة المحاصرة وريفها هدف أثير لصراع مدمر وحصار لا يرحم. ومنذ بضعة أشهر يتعرض الساحل التهامي في جبهة تمتد لأكثر من مئتي كيلو متر من جهة الجنوب لاجتياحات وحصار: المخا، والخوخة، والتحيتا، والجاح، والدريهمي، وصولاً إلى حصار الحديدة.

تترافد الحرب الأهلية، والتدخل الإقليمي؛ فيقوي كل منهما الآخر، ويعطي له الذرائع الكافية والحجاج السياسي والتبرير. صحيح أن الحروب الأهلية غالباً ما تستدعي العدوان الخارجي الذي يتغول في كثير من الأحيان ليصبح هو الأساس والفاعل، وسرديات الاستعمار في العصور الحديثة، وفي القارات الثلاث زاخرة بالنماذج الفاجعة.

الصراعات العربية- العربية، وداخل كل قطر خير شاهد. فالصراع بين الأنظمة الجمهورية والملكية، وبين الاتجاهات القومية: ناصر، والبعث، وحركة القوميين العرب، وبين القوميين، واليسار الماركسي، ثم الحرب على العراق في الحلف الثلاثيني- فصل من فصول الكارثة.

حرب اليمن: الملكية والجمهورية؛ السعودية، ومصر مساءلة عن هزيمة 67، أو هي سبب من أهم أسبابها، وتدمير العراق في الحلف الثلاثيني الذي شاركت فيه عدة دول عربية من ضمنها مصر وسوريا مساءلة عن الوضع القائم اليوم في عموم المنطقة، وعن تسيد القوى التقليدية المعادية للديمقراطية والتحرر وثورات الربيع العربي.

أحداث أغسطس في صنعاء 68، وأحداث يناير في عدن 86، وحرب 94 على الجنوب، وحروب صعدة الستة مساءلة أيضاً عن الحالة التي يعيشها اليمن اليوم.

هناك حقيقة معروفة ومتداولة منذ أمد بعيد، وهي أن الحرب الأهلية لا تنتهي إلا بالإبادة الشاملة للطرف الأضعف، أو التصالح الوطني والمجتمعي والقبول بالتسامح والتعايش.

ما يمثل الخطورة، ويعقد الحرب الأهلية في اليمن تداخل العوامل القبلية والجهوية والطائفية المذهبية: سنة، وشيعة، وسلفيون، و«إصلاح»، وتغذية الصراع الإقليمي الإيراني- السعودي لهذه الأبعاد المقيتة. أما الأمر الأكثر خطورة فهو ضعف العوامل الداخلية كثيراً، وارتهانها للصراع الدولي. فالأمريكان والبريطانيون والفرنسيون- وهم الداعمون اللوجستيون للتحالف الاثنا عشري (الطرف الأقوى في الحرب) يهدفون إلى تفكيك المنطقة، وإضعاف قواها العربية والإسلامية لصالح «صفقة القرن» التي يتبناها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وهذه الإرادة الاستعمارية هي ما يعيق الحل السياسي، ويطيل أمد الحرب.

ربما تراجعت أوهام الحسم العسكري قليلاً، وقويت الرغبة في تحقيق انتصارات هنا أو هناك؛ لإرغام الطرف الأضعف على التسليم؛ وهذا ما يفسر احتدام المعارك على أكثر من جبهة على طول اليمن وعرضها: في البيضاء، ودمت، وعاهم، وصعدة، وبالأخص في تهامة والحديدة وريفها.

الضغط الدولي ليس قوياً ولا جاداً. صحيح أن مقتل الصحفي جمال خاشقجي فضح طبيعة النظام السعودي أمام الرأي العام الدولي، وبالأخص الأمريكي والأوروبي. فقد تصاعد الاهتمام بالحرب في اليمن، وبدأت تتكشف أكثر فأكثر جرائمها، وما نجم عنها من كوارث يتجاوز فيها ضحايا المجاعات الـ 80%، ويواجه فيها هذا البلد الفقير أوبئة فتاكة، ومشردين يبلغون الملايين، ومع ذلك يظل الضغط الدولي محدوداً وغير جدي، كما أن كل الأطراف غير واثقة من تحقيق أهدافها، وغير صادقة في الشعارات التي ترفعها والمطالب التي تحددها؛ فأجندة كل طرف مختلفة ومتصادمة مع ما يعلن.

الراعب أن الحرب الأهلية والأطراف الإقليمية والقوى الاستعمارية وإسرائيل- وهم في غمرة الاحتراب- يتشاركون في العداء لثورة «الربيع العربي». فالحرب المستعرة في المنطقة العربية- وليست اليمن استثناء في الجانب الأهم منها- يتفق فيها هذه الأطراف على استئصال الثورة الشعبية، وبناء شرق أوسط جديد وفق رؤية بيريز والبيت الأبيض، وليست أنظمتنا التابعة بعيدة عن هذه المؤامرة الاستعمارية والصهيونية؛ فهي ضالعة فيها.

الخطر الداهم هو المعالجات الجزئية كالتركيز على الحالة الإنسانية، والتخفيف من المعاناة، وتقديم بعض المساعدات، والسعي إلى «يمننة» الحرب، والاكتفاء بتقوية المليشيات والمواقع المتصارعة، وتقديم الدعم السعودي- الإماراتي للوكلاء المحليين.

اليمن – وطناً وكياناً وبشراً- مهدد بالدمار، ويمثل أسوأ كارثة، ولا رهان على ضمير أو إحساس قادة المليشيات أو زعمائهم، ولا تعويل على الفاعلين الدوليين، وهم الفعلة الأكبر والأطغى؛ فأهدافهم الاستعمارية حماية مصالحهم، وإضعاف الأمة العربية، وإعادة صياغة المنطقة كلها بما يعزز تسيد الكيان الإسرائيلي والقوى التابعة له.

المصدر: العربي

 

تعليقات فيسبوك