العرض في الرئيسةدوليقراءات

أميركا والعودة إلى الواجهة في سورية

الصباح اليمني_قراءات|

الأحداث المتلاحقة حول الأزمة السورية تشير إلى تموضعات جديدة، إذ إن المبعوث الأميركي إلى سورية جيمس جيفري يعمل على مخطط كبير يعيد من خلاله تموضع واشنطن في الحدث على قاعدة العودة إلى الملف السوري بكامل جزئياته والعمل من الداخل وليس كطرف خارجي، إلا أنه مهما كانت التموضعات الجديدة، فإن الثابت الوحيد والمستقر فيها أن: لا تنازل عن وحدة وسيادة واستقلال سورية، وأن كل شبر من الأرض السورية سيستعيده الجيش العربي السوري عاجلاً أم آجلاً.

على صعيد تطورات الأحداث الأسبوع الفائت بخصوص منطقة شرق وشمال شرق البلاد من تواصل تقدم «قوات سورية الديمقراطية -قسد» على حساب تنظيم “داعش” الإرهابي، فإن هذا التطور يرتبط مع ما حدث في العراق من إقامة أميركا لقاعدة عسكرية شمال نهر الفرات قرب ناحية الرمانة بقضاء القائم باتجاه الشريط الحدودي مع سورية مقابل جيب “داعش” الأخير في منطقة شرق الفرات، ترتبط بمخطط أبعد على ما يبدو يريد المبعوث الأميركي تنفيذه فيما يخص سورية، إذ إن القوات الأميركية ستتيح انتقال تنظيم “داعش” من جيبه شرق الفرات ليصبح على نفس المسافة من الحدود من الجهة العراقية، الأمر الذي سيحقق أربعة عناصر رئيسية لأميركا:

1- سيبقي على ذريعة واشنطن للإبقاء على تواجدها في المنطقة باعتبارها تتذرع دائماً بأن تواجدها في المنطقة هو للقضاء على تنظيم “داعش”.

2- يشكل إخراج “داعش” من جيبه الأخير ورقة تدفعها واشنطن للكرد مقابل إرضاء تركيا وتحقيق رغبتها بأن تدخل مناطق محددة شرق الفرات، ويمكن أن يكون هذا جزءاً من خفايا اتفاق «خريطة طريق» منبج، خصوصاً أن إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الاستعداد لعملية عسكرية شرق الفرات جاء بعد زيارات للمبعوث الأميركي جيمس جيفري إلى تركيا ولقاءاته مع مسؤولين فيها، وفي هذا الإطار يبقى ما تظهره تصريحات جيفري وأردوغان من تناقض بخصوص اعتداء أردوغان على شرق الفرات أمراً شبيهاً بما حدث قبيل احتلال تركيا لمنطقة عفرين.

3- الخطوتان السابقتان فيما لو نفذتا سيمكنان جيفري من إعادة أنقرة إلى المحيط الأميركي ومن ثم الدخول بفاعلية أكبر على خط إدلب وبالتالي على خط مسار أستانا للحل السياسي للأزمة السورية.

4- كذلك يتماشى نقل “داعش” إلى العراق مبدئيا مع قانون مساعدة الأقليات في سورية والعراق ممن تعرضوا لـ«جرائم حرب»، الذي وقعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً، بأن تكون هذه الذريعة الأميركية الجديدة للبقاء في سورية، وفي الوقت ذاته فإن الإبقاء على الدواعش على الحدود ستبقى ورقة بيد واشنطن بحيث تدفع حينما تريد التنظيم لشن هجمات والدخول إلى داخل الأراضي السورية.

أما في منطقة شمال البلاد، فيبدو أن التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة في تلك المنطقة التي شملها «اتفاق إدلب»، ومن خلال خروقاتها اليومية للاتفاق، تريد وربما بتعليمات الفواعل الدولية التي تتبع لها تلك التنظيمات والميليشيات، أن تحافظ على «الاتفاق» في وضع قلق، فهي تواصل خروقاتها بوضعية اللاحرب واللا هدوء، أي تسعى للإبقاء على نار الحرب تحت الرماد، الأمر الذي يجب إدراكه جيداً والتحضير له، بحيث تكون القوات المتواجدة على محاور المنطقة التي يتواجد فيها المسلحون شمال البلاد، في وضعية الاستعداد.

وقد يمثل الوضع القلق ذاك في شمال البلاد، رغبة تركية، نظراً لانشغالات أنقرة الحالية بشمال شرق البلاد، ومن ثم فهي تتوجس من أن يقوم الجيش العربي السوري بأي عملية عسكرية ضد «جبهة النصرة» و«الحزب الإسلامي التركستاني» و«حراس الدين» بينما أنقرة ومرتزقتها من الميليشيات المسلحة المنضوية في العمليتين الاحتلاليتين التركيتين المسميتين «درع الفرات» و«غصن الزيتون»، منشغلون في منطقة منبج وشمال شرق البلاد.

من هنا فإن «النصرة» استغلت الحال السابق لتعيد إظهار طابعها الحقيقي عبر التغيرات التي أجرتها على ما يسمى «حكومة الإنقاذ» التابعة لها وعلى الراية التي ترفعها، إذ استبدلت علم الانتداب الفرنسي الذي كانت تعتمده في المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين والذي كان مكونا من اللون الأخضر من الأعلى والأبيض في الوسط وفي الأسفل اللون الأسود وثلاث نجوم حمراء على اللون الأبيض بـ«علم حذفت منه النجوم من الوسط وأضيف عوضاً عنها باللون الأحمر عبارة «لا إله إلا اللـه محمد رسول اللـه»، الأمر الذي يأتي لتأكيد الطابع الأصولي للتنظيم الإرهابي تحت ستارة «لا إله إلا اللـه» التي يتخفى خلفها أيضاً تنظيم القاعدة الإرهابي.

كما أن «حراس الدين» استغل هذا الوضع وبالتعاون مع «النصرة» وبغض نظر تركي، بدأت عملية استجلاب المزيد من الإرهابيين إلى المنطقة، إذ إن أكثر من 400 مسلح جميعهم من جنسيات أجنبية يتبعون لتنظيم القاعدة الإرهابي، وصلوا إلى محافظة إدلب تباعا خلال الشهرين الأخيرين، مرورا بالأراضي التركية، بما يوحي باستعدادات لإعلان إمارة في منطقة جنوب غرب إدلب، قد تتوسع في مراحل لاحقة لتشمل، كامل مناطق سيطرة «هيئة تحرير الشام» التي تقودها «النصرة».

على مسار تطورات الأحداث فيما يخص الحل السياسي للأزمة السورية، بدأت تظهر فيها مجموعة من التناقضات اللافتة. والتناقض الأول، يتعلق بالموقف الأميركي الذي ظهر من خلال موقف جيمس جيفري، من اتفاق أستانا للحل السياسي للأزمة السورية، فبعد تهجمه عليه في وقت سابق، عاد ليعتبره «يعمل»، وقال: إنه لا توجد لواشنطن أي مشاكل معه، وهذا التغيير في الموقف إزاء مسار «أستانا»، يشير إلى أن واشنطن انتقلت من محاولات ضرب أستانا إلى السعي لأن تكون طرفاً فيه، ويمكن اعتبار هذا تمهيداً أميركياً لأن تعود واشنطن إلى واجهة الحل السياسي في سورية من بوابة «أستانا»، باعتبار أن جيفري قد يكون توصل إلى نتيجة مفادها أن «أستانا» أقصر الطرق واقلها تكلفة وجهداً لعودة أميركية إلى الملف السياسي السوري.

التناقض الثاني، أن المبعوث الأممي الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، وجيفري في الوقت ذاته، ذهبا إلى الأردن التي تلهث جاهدة لاستعادة العلاقات وبقوة مع دمشق، ومن هنا فإن المبعوثين الأميركي والأممي حطا رحالهما في الأردن لكبح جماح العودة الأردنية السريعة إلى سورية، نظرا لأن ذلك لا يتناسب من رغبة واشنطن ولا مع رغبة السعودية، إلا أنه ومما ظهر في تصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، والتي دعا فيها إلى «التعامل مع الأزمة السورية وفق مقاربات جديدة تأخذ بعين الاعتبار الحقائق على الأرض وتستهدف إنهاء الأزمة ومساعدة الأشقاء في سورية على استعادة أمنهم واستقرارهم»، فإن مهمة جيفري ودي ميستورا قد فشلت.

التناقض الثالث، أنه في وقت تواصل فيه السعودية إبراز ليونة وتغير في الموقف من الأزمة السورية، فإن الحزب الذي يتبع السعودية في لبنان مستمر على الموقف السابق المعادي لسورية، ولعل هذا الأمر يرتبط بالوضع الداخلي اللبناني أي العلاقة بين فريق السعودية في لبنان وحزب اللـه اللبناني.

أخيراً، مهما كانت التموضعات الجديدة فإن الثابت الوحيد والمستقر فيها أن لا تنازل عن وحدة وسيادة واستقلال سورية.

مازن جبور _ الوطن

 

تعليقات فيسبوك
تابعنا :

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *