أخبار اليمنمساحة حرة

نهاية الحرب الأهلية في اليمن بحاجة إلى تغيير جذري في الوضع السياسي

دكتور حسن زيد بن عقيل

الصباح اليمني_مساحة حرة|

ان اتفاق الرياض 5 نوفمبر 2019 وضع أسس تسوية سلمية على أساس تقسيم سلطة الجنوب بين الإنتقالي و الشرعية ، عمليا قد فشل الاتفاق . من أجل وقف الحرب الأهلية في اليمن التي طال أمدها ، لا بد من القيام بخطوات شجاعة و صعبة ، لكنها ضرورية لكسب الإجماع الوطني . منها مثلا التخلي عن مخرجات الحوار الوطني التي تنص بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم ، هذا الإقتراح قد عفا عليه الزمن . فهو غير مقبول في صنعاء و كذا في عدن . لا يستفيد منه الا تجار السلاح في إطالة أمد الحرب و الاستفادة من غنائمها و غيرها . الحل هو عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الوحدة الفاشلة 1990 . و يكون أولى مهام الحكومتين في الشطرين ، هو إعادة بناء المؤسسات التشريعية و القانونية و القضائية و تفعيل نشاط اجهزة الدولة الأمنية و الإدارية و الاقتصادية .. الخ ، التي دمرتها الوحدة الفاشلة و عدوان التحالف .

لم يكن سراً ان الحرب في اليمن ليست حرب أهلية ، بل هي حرب اقليمية و دولية تديرها دول لها مصالح مشتركة على الصعيد الدولي و الاقليمي . أدرك نظام صالح هذه المصالح ، و أدرك أيضا أن عدم ترسيم الحدود مع السعودية سوف يكون المصدر الرئيسي للصراعات الاقليمية و للصراعات الداخـلية في اليمن . لهذا تاريخ العلاقات السعودية اليمنية طيلة الـ 60 عاماً الماضية ، موسوم بأنها تستغل الحروب الداخلية و الاضطرابات السياسية التي عانى و يعاني منها اليمن للتمدد في الشريط الحدودي الطويل الذي يمتد من الخراخير حتى شرورة في نجران ، و ابتلعت العشرات الكيلومترات على الحدود مع حضرموت . قد امتدت ضغوط السعودية الى تهديد شركات النفط الدولية العاملة بموجب اتفاقات مع اليمن في الأراضي المطالب بها من قبل السعوديين على الحدود الشرقية . و في الاخير بذل نظام صالح جهداً لاستعادة علاقاته الجيدة مع السعودية و حل مسألة الحدود معها . وكذا حل نظام صالح النزاع مع إريتريا . في قضية جزر حنيش في البحر الأحمر و ذلك في عام 1998 حيث منح مجلس التحكيم معظم الجزر الى اليمن .

الإمـارات ، قـد أدركت مدى أهـمـية المواني البحرية في الاقتصاد العالمي فأنشأت شركة ” موانئ دبي ” ، عـندما اصبحت رقـما صعبا في محـيطها بـدأت في التـوسع خارج حـدودها . سعت ” موانئ دبي ” بالتعاون مع نظام صالح للسيطرة على إدارة المواني اليمنية . السؤال هل هذا مجرد طموح اقتصادي أم ان وراء هذا الطموح مشروع سياسي خفي . عند النظر إلى خريطة الملاحة و الموانئ في الشرق الأوسط و القرن الإفريقي نلاحظ امتداداً جيوستراتيجياً إماراتياً توزع ما بين اليمن و القرن الإفريقي و مصر على استحياء . بعيداً عن مناطق نفوذ السعودية التي تركت لها الإمارات ” قيادة ” الخليج و العالم الإسلامي ، لتخلق لنفسها دورا أكثر أهمية و تأثيراً خارج محيطها الإقليمي الخليجي الملئ بالنزاعات و محاولات السيطرة . من هنا بدأ الرئيس صالح بمد يده الى الإمارات بأن منح موانئ دبي 2008 حق إدارة ميناء عدن ، و موانئ أخرى لمائة عام قادمة . لكن بعد الثورة اليمنية و خلع صالح ، قرر مجلس إدارة مؤسسة خليج عدن إلغاء اتفاقية تأجير ميناء عدن لشركة موانئ دبي العالمية . كانت حجة إلغاء الاتفاقية منطقية : اولا أنها أبرمت في ظروف راعت المصالح السياسية ــ الأسرية للرئيس صالح أكثر ، لا الاقتصادية . ثانيا كيف تقوم الإمارات بتطوير و إدارة ميناء عدن ، هو احد أخطر منافسي موانئها . اليوم بعد الغزو السعودي ــ الإماراتي أصبحت الإمارات تسيطر على موانئ اليمن من المكلا شرقاً مرورا بعدن إلى الموانئ الغربية للبلاد المخاء و الحديدة .

السـيدة إيبريل لـونغلي آلي ، الخبيرة في شـؤون اليـمن اعـطت صـورة واضحة على ما يجري في اليمن . هي حـرب اقـليمية و دولية تديرها دول لها مصالح مشتركة ، نجد في ورقتها المقدمة لــ ” فريق التقييم في القيادة المركزية الأمريكية ” برئاسة الجنرال ديفيد بتريوس عدم مصداقية الاعلام السعودي ــ الإماراتي حول ما يسمونه ” المتمردين الحوثيين ” و ” التمدد الشيعي الإيراني ” .. الخ . نقرأ ملخص الورقة : هو ان الحركة الإنفصالية في الجنوب تشكل تهديدا وجوديا و اقليميا لحكومة الرئيس صالح ، بل قد يعجل بانهيار الدولة اليمنية الواهنة ، لان الثروة النفطية و الغاز و الموانئ هي في الجنوب و التي هي مصدر حيوي للدخل . كما تأكد السيدة آلي وجود المظالم و العنف و الشعور بالغربة عند الجنوبيين في وطنهم . لهذا و بإيحاء اقليمي و دولي قام الرئيس صالح بوقف اطلاق النار مع الحوثيين في الشمال في 10 نوفمبر 2010 . و على الحكومة ان تركز انتباهها على الجنوب ، و حولت له الموارد العسكرية لاحتواء الإضطرابات المتنامية في تلك المنطقة . استمر التدخل في الشأن اليمني حـيـث أسـتغـلت إدارة الرئيس الأمـريكي باراك أوباما مـحـاولة تـفـجير الطائرة التابعة لشركة ” Northwest Airlines ” التي كانت متجهة إلى ديترويت Detroit . ذلك بأن أرسل في يناير 2010 الجنرال ديفيد بترايوس ، قائد القيادة المركزية الإمريكية إلى صنعاء للاجتماع بالرئيس صالح . كان ظاهر اللقاء يومها مكافحة الارهاب في اليمن و البحر العربي و القرصنة . في حين كان يدور الحديث من خلف الأبواب المغلقة مواضيع اخرى تتعلق بجزيرة سقطرى و السماح للأمريكيين بدخولها . ثم بدأ ما يعرف بثورة الربيع العربي . عمت اليمن موجة عارمة من الإحتجاجات على أثرها تم إستبدال الرئيس صالح بنائبه عبدربه منصور هادي ، بموجب اتفاقية مع مجلس التعاون الخليجي و ايضا مع القوى العالمية الكبرى التي لها مصلحة في اليمن و تعطيل الدستور اليمني . مع العلم لا تنظر الحركات الإنفصالية الجنوبية و كذا القوى الفاعلة في الشمال إلى هادي كشخصية مقبولة لرئاسة الدولة أو حتى كحليف . سقط نظام هادي بسرعة ، و تشكل تحالف دولي داعم له و ضد اليمن بقيادة السعودية . لكن هذه الدول ، التي ضمن التحالف لم تعرف انها دخلت في مغامرة غير محسوبة ، و ان العالم لن يبقى في وضع المتفرج على انفلات اليمن الذي سيؤثر على الجزيرة العربية و الممرات الدولية المختلفة . هنا الجنرال الامريكي لويد أوستين Gen LIoyd Austin قائد القيادة المركزية الأمريكية قال حينها ” لا أعرف حاليا الأهداف و الغايات المحددة للحملة السعودية ، و يجب ان أعرف ذلك لكي أتمكن من تقييم احتمال النجاح ” . إذا قرار الحرب هو قرار غير مدروس . لذلك يجب ان ندرك ان القضية اليمنية و ما يجري في اليمن ليست قضية إعادة الشرعية أو حرب على أنصار الله أو إيران أو الاخوان المسلمين . يجب ان نعرف ان اليمن دخلت في لعبة تقاطع المصالح الاقليمية و الدولية . لهذا السبب نحن ندفع ثمنا كبيرا . ولهذا نحن الآن في امس الحاجة الى تكاتف وطني اولا ، ثم إلى دعم دولي حقيقي حتى يعود الاستقرار إلى اليمن .

أدوات الحرب الأهلية في اليمن

لمعرفة أدوات الحرب ، علينا معرفة اهدافها . هنا مسألة إعادة الشرعية ، محاربة انصار الله ، محاربة الأخوان المسلمين ، مقاومة المد الإيراني ما هي الا شعارات تروج لها قوى التحالف السعودي ــ الإماراتي و هي شماعات و جسور تسهل لهم العبور لاحتلال أرضنا و جزرنا و موانئنا و انتهاك سيادة الدولة اليمنية لتنفيذ مصالحهم الاقليمية و الدولية ” الجيوسياسية ” . عمليا بدأ التآمر على اليمن و على منطقتنا العربية بشكل عام منذ ظهور المبادرة العربية للسلام ، التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود 2002 . كان هدفها انشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليا على حدود 1967 و عودة اللاجئين و الانسحاب من هضبة الجولان المحتلة . مقابل إعتراف و تطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل . مرورا بالمبادرة الإماراتية التي اقترحت تنحي الرئيس العراقي صدام حسين من السلطة و هذا احدث شرخاً بين القادة العرب . بعدها جاء الربيع العربي ، المؤامرة الكبرى غايتها انتاج ثقافة جديدة في السياسة و النظم الاقتصادية و التعليمية و الثقافية تسعى أمريكا و إسرائيل لتثبيتها عبر ما يسمى بـ ” ثورات الربيع العربي ” . من نتائجها عدوان قوى التحالف السعودي ــ الإماراتي على اليمن 2015 . فعّلت القوى الاقليمية و الدولية ادواتها لتنفيذ الاهداف المرجوة . شرح تلك الادوات نقتبسه من محاضرة البروفسور ماكس مانوارينج خبير الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأمريكية .. مكان المحاضرة إسرائيل ، التاريخ 1/12/2018 ، المدعوون للمحاضرة هم كبار الضباط من حلف الناتو ، و الجيش الصهيوني . استهل البروفسور ماكس محاضرته بالقول بأن اسلوب الحروب التقليدية صار قديما . الجديد هـو الجيل الرابع من الحرب . وقال حرفيا ” ليس الهدف تحطيم المؤسـسة العسكرية لإحد الأمم ، أو تدمير قدراتها العسكرية ، بل الهدف هو ( الإنهاك ــ التآكل البطئ ) لكن بثبات .. فهدفنا هو ارغام العدو على الرضوخ لارادتنا ” و يضيف ” الهدف زعزعة الاستقرار .. و هذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة العدو لخلق الدولة الفاشلة .. و هنا نستطيع التحكم.. وهذه العملية تنفذ بخطوات ، ببطء و هدوء و باستخدام مواطني دولة العدو ، فسوف يستيقظ عدوك ميتا ” . هذه المحاضرة توضح كل ما جرى و يجري من حرب و صراعات أهلية مسلحة في اليمن . أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المحاضرة هو ان الشرعية و الانتقالي و الاخوان و الحراك الجنوبي و المؤتمر تحولوا الآن الى ادوات ، تنفذ عمليا تلك الاهداف . فاستراتيجية الانهاك معناها نقل الحرب من جبهة إلى اخرى ، و ” باستخدام مواطني دولة العدو ” ، العدو هنا يقصد به اليمن ، و تجييش محاربين محليين شرسين و شريرين من ضباع اليمن ، من قوات الحزام الأمني و الوية الحماية الرئاسية و الجيش الوطني و النخب الميليشياوية الاخرى و ارسالها الى كل الجبهات . من جبهة الساحل الغربي إلى جبهة نهم إلى شبوة و أبين و الضالع و عدن . مع التركيز على اطالة امد الحرب ، عبر التخطيط الخبيث لتسخين جبهة و تهدئة جبهة اخرى . هنا يبدأ الإنهاك و التآكل البطئ ، لكن بهدوء و ثبات خلال السنوات الخمس لحرب اليمن . بصرف النظر عن وقوع ضحايا أبرياء لأن الهدف هو السيطرة و تقويض الدولة و المجتمع أهم من كل شيئ . أي محو الدولة و المجتمع عبر عملية طويلة و على الا يتم انهيار الدولة ، لكن السعي ” لخلق الدولة الفاشلة ” ، و كما يقول البروفسور ” هنا نستطيع التحكم ” .

لذا نحن نشاهد انتشار الأمراض ، الفقر ، الفساد ، الرذيلة في اليمن ، و الأمم المتحدة لم تقدم حتى الآن أي شيئ ملموس ، غير تصريحات جميلة لكنها عقيمة ، لا تؤدي إلا الى إطالة أمد الحرب و هذا هدف الحرب والأهم ساعدهم على ذلك غياب الحس الوطني عند كثير من القيادات ، لارتباطهم ماديا بالدول المانحة . لكن هناك قيادات طيبة و وطنية و نحن نتعشم فيها خيرا في احداث تغيير جذري في الوضع السياسي و في مراجعة الكثير من المفاهيم . هذا يتطلب منها إجراء مشاورات مع مختلف الفصائل المحلية دون اقصاء أو تهميش أو التفرد بالقيادة ، بعدها البدأ بمشاورات مع الجهات الفاعلة الخارجية . في الاخير على جميع الأطراف الاتفاق على إطار لوضع خريطة طريق واضحة و دقيقة للسلام . لانه لم يعد بالإمكان البقاء أو الدفاع عن الوضع الراهن أو الإستمرار فيه . ان الإصلاح السياسي و المعيشي و الأمني للناس هو الذي بإمكانه فقط يكون مدخلا لانهاء الحرب الأهلية في اليمن . هذا يتطلب تنازلات من كل الاطراف .

تعليقات فيسبوك
تابعنا :
الوسوم

مقالات ذات صلة